جان لوئيس بوركهارت

تصدير 8

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

حداثة سنه وقلة خبرته ، وعلى الرغم من كل ذلك لم يتوان لإنجاز رحلته عن روح المحب ، تلك الروح التي ساعدته على إنجازها ، بل والتخطيط لإعادة الكرّة مرة أخرى ليحقق الهدف الأساسي منها ( اكتشاف النيجر ) لولا أن منيته كانت أسرع من كل أمانيه . لقد نجح هذا الرحالة الطموح في أن يردف قارئة وراءه على ظهر دابته ليجوب معه قرى النوبة ونجوعها من أسوان وإلى آخر قرية حطّ رحاله فيها ( شمال الخرطوم ) وجعله يعيش معه هذه المغامرة الحلوة الصعبة الخطرة ، وأكسبه خبرات لم يكن يعرفها عن هذه البلاد ولم يسمع عنها ، ولو سمع عنها فربما لم يعرف غير اسمها ، ثم يجد نفسه وهو يلتهم صفحات هذا الكتاب ، يغترف منه كل معلومة عنها ، فلا يستطيع أن يتركه قبل أن يأتي على صفحاته . لقد بدأ رحلته من الشمال إلى الجنوب ، أي عكس جريان الماء في نهر النيل العظيم الذي ارتوى من مائه طوال هذه الرحلة ، وربما اقتفى أثره في بعض تنقلاته من قرية إلى أخرى ، فيسير هانئا مطمئنا بجواره حتى يبلغ حدود دنقلة ، ثم العودة مرة أخرى إلى أسوان ، والتوقف عند كل قرية من قرى النوبة ، خاصة القرى الكنزية الغنية بالمعابد للكتابة عن كل واحد منها بالتفصيل ، وترتيبها من حيث ضخامتها ودقة بنائها وروعة هندستها المعمارية ونقوشها وتماثيلها . . . إنه لم يكتف بزيارته لهذه القرى وهو متجه ناحية الجنوب بل نجده يعيد الكرّة عند عودته ؛ مما يدل على إيمانه بهذه الرحلة وأهميتها ، وأيضا على قوة عزيمته التي لا تفلها الصعاب التي لاقاها - سبق الإشارة إليها - طالما كانت لخدمة العلم الذي يهون من أجله كل شئ ، وهنا ثار سؤال ألحّ كثيرا على ذهني : ما بال شبابنا في هذا العصر ( القرن الواحد والعشرون ) قد تقاعسوا وتكاسلوا وارتكنوا إلى الدعة والتواكل والاهتمام بتوافه الأمور ، وتقليد الغرب في أرذل خصاله وسلوكه . . . . . . . ؟ ربما لعدم توافر الحافز العلمي لديهم ، وربما لانعدام الطموح عندهم ، وربما ليئسهم في مستقبل أفضل ، وربما لإحساسهم بعدم جدوى ما يحصلّونه من علوم ، وربما كل هذا ، وربما أيضا القصور الشديد في المناهج المدرسية المقررة ، خاصة مادتى التاريخ والجغرافيا اللتين أغفلتا أجزاء كثيرة من الوطن مثل سيناء وسيوة والواحات والنوبة ، فانعدم بالتالي التعرف عليها ، لقد انتابنى الحزن طويلا عندما سمعت محاضرا يقول أمام جمع غفير من المستمعين له في معرض حديثة : إن الجالية النوبية . . .